الغزالي

19

الأربعين في اصول الدين

وذلك لسر العلاقة التي بين عالم الشهادة وعالم الملكوت ؛ فإن ظاهر البدن من عالم الشهادة ، والقلب من عالم الملكوت بأصل فطرته ، وإنما هبوطه إلى عالم الشهادة كالغريب عن جبلّته « 1 » . وكما تنحدر من معارف القلب آثار إلى الجوارح ، فكذلك يرتفع من أحوال الجوارح أنوار إلى القلب ، ولذلك أمروا بالصلاة مع أنها حركات الجوارح التي هي من عالم الشهادة ، ولذلك جعلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا ومن الدنيا ، وقال : « حبب إليّ من دنياكم ثلاث . . . » « 2 » . الحديث . فلا يستبعد أن يفيض من طهارة الظاهر أثر على الباطن ؛ ففي بدائع صنع اللّه أمور أعجب من هذا ، إذ قد عرف بالتجربة ، أن المجامع في حال المباشرة ، لو أدمن النظر إلى بياض مشرق أو حمرة قانية حتى غلبت تلك الصورة على نفسه ، مال لون المولود إلى ذلك اللون الذي غلب عليه ، وأن الجنين أول ما يتحرك في البطن ، تميل صورته إلى الحسن ، إن كانت الأم مشاهدة في تلك الحالة لصورة حسنة ، بحيث غلبت تلك الصورة على نفسها ، ولذلك أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المباشر عند مباشرته أن يحضر في قلبه إرادة إصلاح المولود ، ويدعو اللّه بذلك فيقول : « اللهم جنّبنا الشيطان وجنب الشيطان عما رزقتنا » حتى يفيض اللّه سبحانه مبادي الصلاح على الروح التي يخلقها عند إلقاء البذر في محل الحرث بواسطة الصلاح الغالب على قلب الحارث ، كما يفيض اللّه النور بواسطة المرآة المحاذية للشمس على بعض الأجسام المحاذية للمرآة . وها نحن الآن نقرع بابا عظيما من معرفة عجائب صنع اللّه في الملك والملكوت ، وإلى قريب منه يرجع سر الشفاعة في الآخرة فلنجاوزه ؛ فغرضنا الآن ذكر الأعمال دون المعارف . وقد أشممناك شيئا يسيرا من أسرار الطهارة الظاهرة ، فإن كنت لا تصادف بعد الطهارة وإسباغ الوضوء شيئا من الصفاء الذي وصفناه ، فاعلم أن الدرن الذي عرض على قلبك من كدورات شهوات الدنيا وشواغلها ، اقتضى كلال « 3 » حس القلب فصار لا يحس باللطائف والأشياء الخفية اللطيفة ، ولم يبق

--> ( 1 ) الجبلّة : الخلقة . ( 2 ) عن أنس بن مالك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « حبب إليّ من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة » . رواه الإمام أحمد في مسنده ج 3 ص 128 ، 199 ، 285 ، والنسائي في كتاب عشرة النساء باب 1 . ( 3 ) كلال : تعب ، إعياء .